حكاوى وسط البلد

فى طريق الهدايه ومع يزيد الثانى بن عبد الملك (الجزء الثانى)

إعداد / محمــــد الدكـــــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع الخليفه يزيد بن عبد الملك بن مروان، الذى ذكره ابن كثير فقال:

فلما ولي يزيد عزم على أن يتأسى بأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فما تركه قرناء

السوء، وحسَّنُوا له الظلم، وقد صورت كتب التاريخ يزيد بن عبد الملك بصورة الخليفة

اللاهي عن مصالح دولته لاهثا خلف جارية، ولما ماتت رفض أن يدفنها وظل مقيما

بجوارها حتى جَيَّفت ولما دفنوها عاد ينبشها من جديد، وفي أسانيد هذه الروايات غير

واحد من المجهولين، وقصة يزيد مع جاريته في الأصل بسيطة كما يبدو، فهما جاريتان

جميلتان ظريفتان مغنيتان اشتراهما يزيد بعد استخلافه، فملكتا عليه قلبه، خصوصًا

حُبابة التي كَلُف بحبها، واشتد طربه لغنائها، فحظيت عنده، فلما ماتت حزن لموتها،

وجزع عليه.

ولم يطل العمر به بعدها حيث مات بعدها بأيام معدودة بالطاعون أو كان مرض السُّل،

وقد أغمض كثير من المؤرخين القول بموته مطعونا أو مسلولاً، وجعلوه كمدًا وأسفًا

على فَقْد حُبابة، مع أنه من غير المستبعد موته بسبب الطاعون أو السل، بل هو الأولى،

فكثيرا ما انتشر وباء الطاعون وغيره من الأوبئة في حواضر الشام كدمشق، فكان ذلك

من الأسباب التي دعت الخلفاء الأمويين إلى بناء القصور في بوادي الشام، وإن قصة

يزيد مع جاريته جاءت في المرويات التي تناولتها مهولة مشوهة، اعتراها كثير من

المبالغة والاضطراب والتناقض والزيادة، بل والاختلاق فمنها ما يشير إلى تلك القصة

باتزان، ومنها ما شابهه بما لا يقبل ولا يعقل، ومنها ما ظهرت فيه الإساءة والطعن بتحريف

أو زيادة أو اختلاق.

فجاءت تلك المرويات تحمل العجب والمنكر، وذلك إما لهوى في نفس راويه، وإما لغرض

يقصده ناقلها، أو نقلها مسندة فحمَّل المسئولية من رواها، وقد قيل أنه كان قد ابتاع

الجارية حبابة في شبابه بأربعة آلاف قطعة من الذهب، وأرغمه أخوه سليمان، وكان

هو الخليفة في ذلك الوقت أن يردها إلى بائعها، ولكن يزيد لم ينس جمالها وحنانها، فلما

ولي الخلافة سألته زوجته هل بقي له شيء في العالم يرغب فيه؟ فأجابها نعم حبابة

فبعثت زوجته الوفية من فورها إلى حبيبة، وأهدتها إليه، وانزوت هي في مجاهل الحريم

ويروى أنه بينما هو يلهو مع حبيبة في يوم من الأيام إذ ألقى أثناء لهوه ببذرة عنب في

فمها، فاختنقت وماتت بين ذراعيه، وحزن عليها يزيد حزناً مات من أثره بعد أسبوع من

وفاتها.


وقد خطب يوما الخليفه يزيد بن عبد الملك بالناس قائلا : ايها الناس انه لاطاعة لمخلوق

في معصية الخالق انما الطاعة لله فمن اطاع الله اطيعوه ما اطاع فأذا عصى أو دعي

إلى معصية فهذا أهل ان يعصى ولايطاع أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام

عليكم ورحمة الله وبركاته، وقد ارسل في نفس هذه السنة إلى من كان تحت إمرته في

العراق وهو يوسف بن عمر، وأحضره إلى دمشق وعندما وقف أمامه وبين يديه وكان ذو

لحية طويلة فأخذ بلحيته ووبخه وانبه وعزله من منصبة بسبب عدم عدله وبسبب حنقه

على اليمانية وهم قوم خالد بن عبد الله القسري، وهو يوسف بن عمر بن محمد بن

الحكم بن أبي عقيل الثقفي، وكان أمير العراق وخراسان لهشام بن عبد الملك، ثم أقره

الوليد بن يزيد على العراق.

وكان شهما سائسا مهيبا جبار عسوف جواد معطاء، وقد كان ولي اليمن قبل العراق،

ويوسف بن عمر هو بن عم الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد قال ابن عساكر عنه أنه لما

هلك الحجاج بن يوسف الثقفي ، وتولى بعد يزيد بن المهلب العراق، لسليمان بن عبد

الملك، وقد أخذ يوسف بن عمر مع آل الحجاج ليعذب وكان يزيد بن المهلب يبغض الحجاج

وأقاربة، فقال يوسف : أخرجوني أسأل، فدفع إلى الحارث الجهضمي وكان مغفلا، فأتى

دارا لها بابان، فقال : دعني أدخل إلى عمتي أسألها فدخل وهرب من الباب الآخر، وكان

يوسف من ولاة العهد الأموي، وكانت منازل أهله في البلقاء بشرقي الأردن، وقد تولي

اليمن لهشام بن عبد الملك سنة مائه وسته من الهجره، وكانت قبضته شديدة فيها.

فبعد ولايته بسنة واحدة خرج عليه في اليمن عباد الرعيني الذي ادعى أنه حميري آخر

الزمان، وكان له من الأتباع ثلاثمئة رجل، فتمكن يوسف من القضاء على ثورته وقتله مع

أصحابه، ومما زاد في مكانته عند الخليفة فما زال على اليمن حتى جاءه التقليد بولاية

العراق، فاستخلف ابنه الصلت على اليمن وسار هو للعراق، ونعود الى الخليفه يزيد

حيث كان هذا التصرف وهذه الخطبة ليزيد بن عبد الملك دلالة على عدالته في الحكم،

ونزاهته وبعده عن الشبهات، وفي ربيع الأول عام مائه وأربعه من الهجره، قد عزل يزيد

بن عبد الملك، عن إمرة الحرمين عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس، وكان سببه أنه خطب

فاطمة بنت الحسين، فامتنعت من قبول ذلك، فألحَّ عليها وتوعدها، فأرسلت إلى يزيد

تشكوه إليه.

فبعث إلى عبد الواحد بن عبد الله النضري نائب الطائف فولاه المدينة، وأن يضرب عبد

الرحمن بن الضحاك حتى يسمع صوته أمير المؤمنين وهو متكئ على فراشه بدمشق،

وأن يأخذ منه أربعين ألف دينار فلما بلغ ذلك عبد الرحمن ركب إلى دمشق، واستجار

بمسلمة بن عبد الملك، فدخل على أخيه فقال: إن لي حاجة، فقال: كل حاجة تقولها

فهي لك إلا أن تكون ابن الضحاك، فقال: هو والله حاجتي، فقال: والله لا أقبلها ولا أعفو

عنه، فرده إلى المدينة، فتسلمه عبد الواحد فضربه وأخذ ماله حتى تركه في جبة صوف،

فسأل الناس بالمدينة وكان قد باشر ولاية المدينة ثلاث سنين وأشهرًا، وكان الزهري قد

أشار على الضحاك برأي سديد، وهو أن يسأل العلماء إذا أُشْكِل عليه أمر، فلم يقبل ولم

يفعل، فأبغضه الناس.

وقد ذمَّه الشعراء، ثم كان هذا آخر أمره، وكان عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري

استعمله يزيد بن عبد الملك على المدينة من عام مائه وواحد حتى مائه وأربعه من

الهجره، وكان السيده فاطمه بن الحسن، وهى حفيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم،

فاطمة بنت الحسن بن على بن ابى طالب، وقد ترملت ومات زوجها وترك لها عيال فتقدم

لخطبتها ابن الضحاك، الا انها رفضتها ومع الإلحاح اخذ ابن الضحاك يتعرض لها بل واخبرها

ان لم توافق على زوجها به ليجلدن أكبر أبنائها بتهمة شرب الخمر فأوصت ابن هرمز

عامل بيت مال الخلافة والذي ينقل اخبار الولاة واموال بيت المال إلى بيت المال بدمشق

بأن يوصل حالها وشكواها وافعال ابن الضحاك بها وباهل المدنية إلى أمير المؤمنين.


الخلفية يزيد بن عبد الملك، والذي قام بعزل ابن الضحاك وولى عبد الواحد النضرى والذي

كان على الطائف، فقام عبد الواحد بتغريم ابن الضحاك أربعين الف وبتعذيبه، وقد تولى

يزيد بن عبد الملك أمر المسلمين بعد الخليفة عمر بن عبد العزيز، فسار بسيرته برهة من

الزمن، ثم ترك نهجه واتخذ نهجًا آخر تابع فيه كثيرًا من سياسات أسلافه من بني أمية

الإدارية والمالية، وخالف عمر بن عبد العزيز في بعض تجديداته وإصلاحاته خاصة في

المجال المالي، وبتفحص الروايات عن شخصية يزيد وسياسته يتبين أن الاختلاف بين

شخصيتي يزيد وسلفه عمر هو الذي كان وراء الاختلاف بين سياسة الرجلين، فقد غلب

على عمر بن عبد العزيز الوازع الديني فاتسمت سياسته بالروح الإسلامية.

وكان ذلك مما دفعه إلى تطبيق السياسة الإسلامية على نظم الحكم، كما فاقه عمر من

حيث القدرة والكفاءة الإدارية والحضور الدائم، والانصراف إلى العمل، وتحمل المسئولية،

والحق أن يزيد بن عبد الملك لم يدع الأمور تجري بلا ضابط، فلم يكن بالبعيد عن إدارة دفة

الحكم، فسنجده وراء الكثير من الأحداث يعالجها ويوجهها ويخطط لها، لكنه لم يعط كل

جهده ووقته واهتمامه لشئون دولته كما كان يفعل سلفه عمر، ومع ذلك فقد حرص على

بقاء دولته مهابة مصونة في الداخل والخارج، وإن كان قد اتخذ في سبيل تحقيق ذلك

سياسات تخالف نهج سلفه عمر، وقيل أنه لما ولي الخلافة يزيد بعد عمر بن عبد العزيز

قد غيَّر غالب ما كان قرره عمر، وقال: ثم عزل جماعة من العمال، فلم يقل: غير كل ما قرره عمر، أو عزل جميع عماله.

فى طريق الهدايه ومع يزيد الثانى بن عبد الملك (الجزء الثانى)
فى طريق الهدايه ومع يزيد الثانى بن عبد الملك (الجزء الثانى)

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: