مقالات

ومـــضــــــــات فى نهـــــــــر الحـــــــــــياة والتـــــــــــاريخ، (إحـــــــــــســـــان)

بقلم : جيهان سيف 

وللتَّرْك للإحسانِ خيرٌ لمحسنٍ *** إذا جَعَل الإحْسَانَ غيرَ ربيبِ  ( المتنبى)

   فى دائرة الحياة تاهت النفس وانخرطت فى وهم  الصراع المادى تلهث وراء المظاهر الكاذبة وقست القلوب وتقوقعت الأنفس على  ذاتها واصبح صوت المصالح الشخصية هو الاعلى.

 لقد توارت  فى النفوس العديد من الاخلاق العربية الاصيلة  والتى دعمتها كل الرسائل  السماوية والقيم الانسانية وقد نسى ابن ادم أن  هذه الاخلاق هى السبيل الاقصر والاوحد لما يربو اليه من رفاهية وسعادة.

 ولعل خلق  الإحسان من اهم الصفات التى توارات فى  ذلك العصر التى طغت فيه الانانية والنهم المادى  وقد ادى هذا  الى ان كل من  افراد المجتمع بل احيانا الاسرة الواحدة يحيا فى عالم منعزل بذاته لا يرى سوى  طلباته واهدافه وحده .لا يأبى للأخرين واهتمامتهم ومطالبهم واحتياجاتهم كل هدفه تحقيق ما يربو اليه حتى لو جار على حساب الاخرين وحقوقهم.  فقد تاه معنى الاحسان فى النفوس.

   والاحسان خلق نبيل  فى معناه  هو اتقان العمل  وتأديته على خير وجه  وفى سنه خير الانام يكمن فى عباده الله سبحانه وتعالى كأنك تراه فان لم تكن تراه فان يراك.

 واذا كان الاحسان صفة اصيلة فى النفس فلن تجرؤ النفس على عدم اتقان العمل خشية مراقبه الله وابتغاء مرضاته.

 ولن نجد عائقا لوالدية يتأفف  منهم عند الكبر او ينقطع عن برهم ورعاياتهم تحت اى ظرف لانه يمتثل لقول وتعاليم خالقه سبحانه تعالى ويعلم ان برهم هو السبيل لرضا الله ورحمته. امتثالا لقوله تعالى”

لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (٨٣سورة البقره )  

 وما اروع ان يتوطن الاحسان فى النفس  ويزين  كل عمل يقوم به الفرد  من تأدية الفرائض والعبادة  لله سبحانه وتعالى و  كذلك  تعاملاته مع كافة  الكائنات  فالاحسان  ارقى منازل العبودية  والطريق الى حب الخالق  . وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”

 ومن اهم الامور التى يظهر فيها الاحسان  هو الاحسان الى اليتامى والمساكين  من حسن تربيتهم والتعامل معهم فهو دليل الى طريق التكافل والترابط فى المجتمع  وان تنمو النفوس  سوية فى مظله من الاحسان والرحمة  فهى دلاله على اتقان الانسان لانسانينته والترفع عن الانانيه .

  فينشأ جميع الافراد فى اكتفاء من الحنان والتكافل ولانرى طفل يفتقر الى من يحنو عليه او يشعر بالغربه والوحدة فى مجتمعه  فحين يسود الإحسان  تخبو تلك النماذج الممزقة نفسيا  والقاسيه الناقمة على الاخرين والمجتمع كافة  نتيجة لما افتقرته  فى طفولتها من إحسان القلوب ورحمتها.

 فالإحسان  لا يقصد به العطاء المادى  فحسب بل الأهم  إحسان المشاعر والإحساس بالأخرين والتعاطف معهم  فالعطاء المادى وحده غير كاف  لتنشأة نفس سوية ساكنه متزنه منتجة.

 واذا كان الإحسان بداخلنا فلن نجد من يسرق او يستغل نفوذه او يتعدى على حقوق الأخرين او  المال العام  او ميراثا ولا يتقن عمله لان المحسن يراقب الله قبل اى شىء فى عمله وقوله ولا ينتظر الجزاء الا من الله اولا.

 واذا ما  اتخذ الزوجان الاحسان سبيلا فلن نجد اسر تتهدم اوتتشتت واطفال تعذب لان الاحسان بين الزوجين سينعكس فى احترامهما لبعضهما البعض  والستر  على بعضهما وقت الخلاف   فالاحسان يقتضى رفق كل منهما بالاخر واذا ما تعذرت مسيرة الحياه ولا مناص من الفراق  فتسريح باحسان.

 واذا ما كان الاحسان  منهجا فى المعاملات  التجارية كان  سبيلا للفلاح والسعادة فالاحسان  فى التجارة  يعنى  التسامح  واللين  وعدم المغالاة  والجشع والتيسير والإمهال لأصحاب الديون واستيفاء سعر السلع  بما يرضى الله سبحانه وتعالى.

 وعندما يكون  الإحسان الدرب الاساسى فى التحدث فالكلمة الطيبة  ورقى التعامل والإحترام والود والسلام  هم المسار  سمة المجتمع.

 والإحسان لايقتصر على التعامل بين الإنسان والأخر بل يمتد ليشمل كل الكائنات  من حيوان ونبات  فمن الإحسان الرفق بالحيوان والحفاظ على النبات  وذلك لإيمان الانسان بان الاحسان  لتلك الكائنات هو اقرار بالنعمة من الله عز وجل الذى سخر كل الكائنات لخدمته فلايمكن ان يكون محسنا غليظ القلب  جحودا لا يرحم حيوانا او نباتا  .

فالاحسان  هو  شكر النعمة والامتثال لأوامر الخالق عز وجل وتأديه فرائضه وعبادته والتى اساسها الاحسان فى معاملة الاخرين و طلبا لرحمته عز وجل  و طوبى لمن كتب من المحسنين  فيتلقى احسان الله ورحمته  له فى  الدنيا والاخرة . قال تعالى ” وهل جزاء الإحسان الإ الإحسان”

 ولكن  ما السبيل  لعودة الإحسان إلى النفوس؟  لا شك إنه  رغم ما وصل إليه الإنسان من تقدم لا يزال عاجزا على الخوض  فى  أسبار النفس الانسانيه وانه قد  خفت  فى العقود الاخيرة دور علماء الاجتماع  والنفس فى تصحيح مسار المجتمع  وتقويم النفوس رغم شده الحاجه اليهم مع تنامى التيار المادى فى الحياة .

 ولذا لابد من عودة دور هؤلاء  العلماء وإظهار  بصمتهم فى مناهج التعليم و البرامج الاعلاميه المختلفة  والقاء الاضواء على تلك القيمة المفقودة بدلا من الإنفاق على هذا الهراء والكلام عديم الفائدةالذى نعانى منه على الشاشات المختلفه  فلا اهم من بناء النفس وتقويمها  لسلامة المجتمع بأسره.

 ولا ريب ان دور العباده المختلفة من مساجد وكنائس عليها دور عظيم فى التركيز  وغرس فضيله الاحسان فى النفوس .

 والأمهات  والاباء الاعزاء  اغرسوا فى نفوس اولادكم الإحسان فتجنوا ثماره  عند الكبر وتتمتعوا ببر ابنائكم فلا يمكن ان يكون محسنا عائقا لوالديه.

فلتتضافر جميع الجهود لإنعاش الإحسان فى النفوس فهو سبيل الأمان للإنسانيه رزقنا الله الإحسان فى انفسنا وفى المحيطين بنا.

عبدالعزيز حسن

رئيس مجلس إدارة جريدة وسط البلد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: